عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
397
اللباب في علوم الكتاب
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا [ الفرقان : 50 ] وقال : هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ الحديد : 9 ] . وقال : وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [ الحديد : 25 ] . وقال : يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [ إبراهيم : 10 ] . وقال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] وأمثال هذه الآيات كثيرة . ونحن نعلم بالضّرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن ، فعلمنا أنّه لا يمكن حمل قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ على ظاهره . الثاني : أنه تعالى قال بعدها : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو كانوا مخلوقين للنّار ما كانوا قادرين على الإيمان البتة وعلى هذا : فيقبح ذمّهم على ترك الإيمان . الثالث : أنّه تعالى لو خلقهم للنّار لما كان له على أحد من الكفّار نعمة أصلا ؛ لأنّ منافع الدّنيا بالنسبة إلى العذاب الدائم ، كالقطرة في البحر ، وكان كمن دفع إلى إنسان حلوى مسمومة فإنّه لا يكون منعما عليه ، فكذا ههنا ، ولمّا كان القرآن مملوءا من كثرة نعم اللّه على كل الخلق علمنا أنّ الأمر ليس كما ذكرتم . الرابع : أنّ المدح والذّمّ ، والثّواب والعقاب ، والترغيب والترهيب ، يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه . الخامس : لو خلقهم للنّار ، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النّار ؛ لأنّه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم . السادس : أن قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ متروك الظّاهر ، لأنّ جهنّم اسم للموضع المعين ، ولا يجوز أن يكون الموضع المعيّن مرادا منه ، فثبت أنه لا بد وأن يقال : إن ما أراد اللّه لخلقه منهم محذوف . وكأنّه قال : ولقد ذرأنا لكي يكفروا ، فيدخلوا جهنم ، فصارت الآية متروكة الظّاهر ، فيجب بناؤها على قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ [ الذاريات : 56 ] لأن ظاهرها يصح بدون حذف . السابع : أنه إذا كان المراد أنّه ذرأهم لكي يكفروا ، فيصيروا إلى جهنم ، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللّام لام العاقبة ، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنّه لا استحقاق للنّار ونحن قد تأولناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار . فكان قولنا أولى . فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها ، فوجب المصير إلى التأويل ، وتقريره : أنه لما كانت عاقبة كثير من الجن والإنس هي دخول النّار ، جاز ذكر هذه اللّام بمعنى العاقبة . ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشّعر .